x
x
  
العدد 10971 الثلاثاء 23 أبريل 2019 الموافق 18 شعبان 1440
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10942 الاثنين 25 مارس 2019 الموافق 18 رجب 1440
 
 

اهتزَّ العالم وحزن وبكى من جنوبه حتى شماله ومن غربه حتى مشرقه، لمشهد قام المجرم بنفسه تصويره تصويرًا حيًا وهو ينفذ جريمته النكراء، متنقلاً بين مسجدين صغيرين متجاورين في المنطقة، تحرك ضمن مخططه أن يقتل أكبر عدد ممكن من المصلين ودون تمييز او انتقاء، فتحرك برشاشه الأتوماتيكي وهو يحصد أمامنا دون رحمة جماعات إسلامية جاءت لأداء صلاة الجمعة في بلد كان حتى وقت قريب منسيًا على خارطة العالم، وكل ما يعرفه الناس عن تلك البلاد أنها تمتاز بطبيعة خلابة وبيئة نظيفة ومجتمع أمن مستقر، لا تعرف جنباته حساسيات تلك الكراهية الدينية الرعناء.
لا نريد أن نتوقف في توصيف العمل ولا من قام به، فهذا ما عاد مهم أن يكون إرهابيًا او عنيفًا او مجرمًا سفاحًا، كل ما سيتم وصمه به من نعوت فهو قليل للغاية في حق هذا المتوحش المريض.
 ولو فحصنا عدد القتلى والجرحى فهي لم تتجاوز خمسين قتيلاً وبنفس العدد تقريبًا سقط جرحى بعضهم في حالة سيئة، وقد يلتحقون برقم الموتى. الرقم بحد ذاته لا يشكل غرابة في عالم الارهاب بل وفي ساحات العالم العربي والاسلامي، فساحاتنا العربية كاليمن وسوريا والعراق وليبيا وفلسطين ولبنان وغيرها من بلدان اسلامية كايران وباكستان وافغانستان، كلها تقدم لنا يوميًا قوائم موتى هم ضحايا حروب أهلية اثنية ودينية.
كان حتى وقت قريب من سنوات القرن المنصرم يعرف العالم إرهابًا «يساريًا» عشيرة كارلوس وكان واخواتها في النضال مع أبي نضال وأبناء عمومة العمل الثوري في العالم في قارات أربع، كنا نفهم تفكيك التعريفات لمعنى التطرف والتشدد والارهاب والعنف وكل تلك السيولة في فقه اللغة ومشتقاتها المتوحشة، كنا ندرك حتى في عقود من القرن التاسع عشر إرهابًا أمريكيًا – أمريكيًا، لجماعات «الكوكلوكس كلان» التي قررت أن تلبس ملابس بيضاء متقنعة بملابس صليبية كنائسية رافعة شعار الصليب وهي تحرق خصومها بكل كراهية لنكتشف أن المسيحيين البيض يقتلون المسيحيين السود، ليس لسبب ديني وإنما عنصري، فقد كانت الكنيسة والله يوحدهم، غير أن لون جلدتهم كانت سوداء واعتبروا دخلاء يهددون المجتمع الامريكي المسيحي، هكذا تألقت كراهية النازية والصليبيين القدماء والجدد وهم يتكررون ويتناسلون ويتناسخون على أكفان وجثث بشر آخرين.
كنت أحاول أن أجد تفسيرًا لذلك الاسترالي الذي ترك كل استراليا وجاء يصطاد في نيوزيلندا نمطًا من «الكانغارو» البشري، والغريب أن أولئك البشر المهاجرين لا ينتمون لعرق واحد ولا للغة واحدة ولا لقبيلة محددة، إنما كان يوحدهم سقف المسجد وأركانه وانتماء ديني مشترك، كل هؤلاء لا ينتمون لطبقة واحدة فهم بعد الصلاة سيمضون نحو محلاتهم، بيوتهم وجالياتهم، بيوتهم الصغيرة المتواضعة في بلد التآخي والتسامح.
جاء الإرهاب العالمي المشبع بالكراهية العنصرية والدينية واللونية، بل ولكل أشكال التمييز والحقد للآخرين لمجرد أنهم من دين آخر.
لم يعد الإرهاب هذه المرة سياسيًا ولا ايديولوجيًا ولا حتى عرقيًا – فالمصلون من أعراق مختلفة – إنما إرهاب حمل سمات الحقد الأسود لا غير على إنسانية بشر كانوا يخشعون لله بطمأنينة ورحمة، جاء الاسترالي لينسف تاريخ نيوزيلندا الهادئ ليزرع قنبلة وجراثيم سوداء من الانتقام لا أحد يعرف أين وكيف ستنفجر في المرة القادمة. بإمكان أجهزة الأمن رصد مؤشرات وبشر وجماعات متطرفة، ولكنها تعجز عن رصد قلوب وضمائر حاقدة بين البشر، فقد صار الإرهاب متعدد الأشكال والوجوه والتنوع والخصوصيات الغريبة حتى لعلم النفس والسوسيولوجيا !! فهنيئًا لنا مصطلح الاسلاموفوبيا في الغرب، فهذا ما عاد مجرد مصطلح قاموسي نعلمه الطلبة في الجامعات وإنما كابوس شيطاني يلاحق «اليمين المتطرف الأبيض!» في يقظته ومنامه وعليه بقتله أينما كان ووجد حتى ولو في أقصى الدنيا كنيوزيلندا، حيث من هناك تشرق علينا الشمس ومن هناك يسفك دم الأبرياء بهذه الخساسة الأدمية.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

شارك برأيك.. هل تؤيد إعطاء الزوجة مبلغاً مالياً مقابل أدائها أعمال المنزل؟

تصفح موقع الايام الجديد