x
x
  
العدد 10819 الخميس 22 نوفمبر 2018 الموافق 14 ربيع الأول 1440
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10782 الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 الموافق 7 صفر 1440
 
 

في اعتقادي أن المرأة أفضل من تعرف المرأة، فأبسط امرأة تعرف أختها المرأة أفضل من لجنة علماء من الرجال، ولا أعتقد أن في هذا الرأي مبالغة، ولا انتقاصاً من الرجل أمام المرأة، بل حقيقة يفرضها واقع التمايز البيولوجي والفسيولوجي بينهما، والرجل خريج رحم المرأة، الكيان الأنثوي أمام الكيان الذكوري، ولكل كيان بناؤه البيولوجي والفسيولوجي، ومنهما يتولد المنظوم الذهني والنفسي. وأهل مكة أدرى بشعابها... التكامل الحسي بين الذهني والنفسي عند المرأة الأم من لحظة تشكل الجنين في رحمها إلى لحظة الولادة، هذا التكامل الحسي يستحيل على الرجل أن يفهمه أو يستشعره أو يحس به، بينما هذا الكمال الحسي هي مَلَكَةٌ عند كل امرأة، وحتى علاقة الحب بين الذكر والأنثى، فالفيسيولوجيا المختلفة، جنسياً، تفرز مفاهيمها المختلفة عن الحب عند كليهما. بعد ألوف السنين. من الفصل الجنسي بين الذكر والأنثى والمجحف بحق الأنثى، وتخطي ذاك الفصل، عبر نضالات المرأة نفسها وبسند من رجالات الفكر والتنوير، إلى أن اكتملت حرية المرأة وصارت صاحبة القرار لحقها ومصيرها في هذا العصر وهي تتبوب أعلى المراكز في الدولة وفي المجتمع، ولها مساهمات ثقافية وعلمية. ومن موقع فهم المرأة للمرأة، وحرص المرأة على كرامة المرأة، عبرت الدكتورة منى حلمي عن رأيها في مسابقات الجمال في مجلة روز اليوسف عدد 15 سبتمبر 2018 بمقال عنوانه «المطبخ وغرفة النوم وملكات الجمال»، وافتتحت المقال بهذه الكلمات: «في أول أكتوبر سيتم حفل اختيار ملكة جمال مصر 2018، كما قرأت في الصحف. وهذا خبر من الأخبار، التي دائما ما تثير تساؤلاتي، خصوصًا عندما أرى كيف يحتفي الإعلام، بالنساء المشتركات في هذه المسابقة، وكيف أنه في الوقت نفسه، يهمل ويتجاهل أخبارًا تتعلق بإنجازات النساء في العمل، وفي الإبداع، والبحوث العلمية، ومشاركتهن الفعّالة والمميزة، في ندوات ومؤتمرات عالمية في منتهى الأهمية». وترى الدكتورة منى حلمي أن مسابقات الجمال تجعل من المرأة «سلعة» معروضة لإرواء رغبة الذكور في التمتع نظراً إلى الجمال الأنثوي، وأن صالات واحتفالات مسابقات الجمال هي امتداد لـ«المطبخ» و«غرفة النوم».
رغم اعتقادي الراسخ بأن المرأة أدرى بالمرأة في فرديتها الشخصية، ولكن ليس بالضرورة أن تكون المرأة أكثر دراية بأختها المرأة في بنيتها الأسرية والاجتماعية، فلكل كيان أسري مكوناته من الجنسين وله أسراره وثقافته، ولكل علاقة زوجية، بين الرجل والمرأة، خصوصيتها التي تتعدى حدود الاستيعاب الكامل لدى أية امرأة خارج دائرة تلك العلاقة الخاصة. إضافة إلى أنه ليس بالضرورة أن تكون المرأة أدرى بالتبعات اللاحقة والنتائج الحتمية للتطورات التاريخية بالنسبة لوضع المرأة، الإنساني والحقوقي والاجتماعي وحتى السياسي. هذا المسار التاريخي التطوري لحال المرأة من عهود الاستعباد والقهر إلى عصر التنوير وحرية المرأة ومساواتها الحقوقية مع الرجل، يتشكل من محطات مرحلية ومناهج تنويرية وآليات تفعيلية معقدة، ليس من العقلانية تخطيها ونكران إبجابياتها اعتماداً على ذهنية مطلقة، ذهنية الأبيض و الأسود، ذهنية أن الفصل بين الرجل والمرأة حالة دائمة، وأن على المرأة أن تعيش حالة المناكفة الدائمة مع الرجل، هناك حركات نسائية تعتمد هذه المنهجية، وهي منهجية أشبه إلى العدمية، وهي ترفض القبول بنتائج النضال الإنساني التنويري الذي تمخض بالتحول النوعي لوضع المرأة، من حالة الدونية إلى حالة الندية والمساواة مع الرجل. حتى مصطلحي «المطبخ» و«غرفة النوم» كمفهومين، حسب سياق مقال الدكتورة منى حلمي، قد وضعا خارج سياقهما الأسري والاجتماعي والتاريخي، «المطبخ» كعمل إنتاجي للزوجة داخل البيت يكمل «المصنع» أو «الحقل» كعمل إنتاجي للرجل خارج البيت، وهذا التكامل فرضته المرحلة التاريخية، اقتصادياً واجتماعياً، على الإنسان دون أن يكون له خيار أو إرادة لتخطيها، إلاّ عبر المسار التطوري بمراحله التاريخية المتعاقبة. أما «غرفة النوم» فهو الحيز الضيق الخاص بكل معاني الخصوصية الذي تكمل فيه كامل كمال الإنسان.
إن اختزال العلاقة بين الرجل والمرأة وحصرها في فلك «المطبخ» و«غرفة النوم»، فلك يدور حول نفسه دون حراك إلى الأمام، هو إخراج للعلاقة من مسارها التاريخي ومن دوائرها الحياتية التي تتمثل في الحياة الاجتماعية وأنماط الإنتاج وتشكيلات الاقتصاد السياسي وما يعكس عنها من أشكال عقائدية مختلفة. وهي نظرة غير عادلة تجاه الرجل وغير منصفة تجاه المرأة، لأنها لا تنظر إلى الرجل والمرأة من منظار الحياة، بل من منظار الجنس، جنس الأنثى مقابل جنس الذكر، وكيف أن الجنس الذكري بفضل تفوقه العضلي يستعبد الجنس الأنثوي، وأن هذه الأنثى ستبقى مدى الحياة أسيرة العضل (القوة) الذكوري. إن الحياة ومن على سطور التاريخ علمتنا أن الإنسان، بأنثاه وبذكره، كانا في سلة واحدة من حيث الاستغلال والاضطهاد، ففي عهود العبودية، حيث المجتمع مقسم بين سيد يملك كل شيء وجمهرة من الناس، رجالاً ونساءً وأطفالاً، لا تملك حتى قوة جسدها الذي يذهب نتاجها إلى السيد، كانت أسواق النخاسة تعج بالرجال والنساء والأطفال، ولكل سعره ومن كل حاجته، وفي الحقول كان الرجل العبد والمرأة العبدة يعملان جنباً إلى جنب خدمة للسيد أو حتى السيدة، وكانت هناك سيدات تملكن كل شيء، شأنهن شأن السيد الرجل، وكانت تضطهد الرجال والنساء على حد سواء دونما أية لفتة لبنات حواء من جنسها، وقد كان نصيب الرجل العبد أشد قساوة من المرأة العبدة، حيث أن كثيراً من أولئك الرجال كانوا يحرمون من حقهم الطبيعي في الزواج بأن يتم خصيهم حتى يمكن الاطمئنان إليهم وهم يخدمون سيدات القصور، رجل خصي، محروم من متعة ووظيفة طبيعية، من أجل خدمة امرأة، هي سيدة القصر أو جارية السيد في جناح الحريم. وحتى في العصر الرأسمالي الذي هو الناتج المصاحب لعصر التنوير، فإن السيد البرجوازي والسيدة البرجوازية لا يفرقون في استغلالهم للإنسان بين الرجل والمرأة.
بالنتيجة، فإن الواقع المعاش اليوم، والواقع في العهود الماضية والذي يحدثنا التاريخ عنها، تؤكد أن الاضطهاد ضد المرأة لم يكن بسبب كونها امرأة، ولم يكن على يد الرجل كونه رجلاً، أي أن الاضطهاد لم يكن نتيجة الفارق الجنسي بين الرحل والمرأة، بل بسبب الفارق الطبقي بين الذين يملكون والذين لا يملكون، والذين يملكون تدور في دائرتهم النساء والرجال، والذين لا يملكون كذلك تدور في دائرتهم الرجال والنساء.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟

تصفح موقع الايام الجديد