x
x
  
العدد 10819 الخميس 22 نوفمبر 2018 الموافق 14 ربيع الأول 1440
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10782 الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 الموافق 7 صفر 1440
 
 

لم يكن ذلك الصباح في ذلك اليوم الخامس من أكتوبر عام 76، صباحًا عاديًا بالنسبة إليّ طالبًا يفتح أول باب من أبواب الفصول الدراسية بالمعهد العالي للفنون المسرحية بـ(شامية) دولة الكويت، ليتلقى أول درس من دروس النقد المسرحي فيه، كان ذلك الصباح بقدر ما كان الفرح يغمرني باستقباله لي، كان بالقدر نفسه وأشد ينتابني القلق والاضطراب بجلوسي على مقعد فصل يتقدمني فيه ويجاورني بعض قامات إبداعية قطعت شوطًا طويلاً في مضمارها الأدبي، وبلغت من الحلم مبلغًا يصعب الإمساك بحرير بدايات غزله أو انسرابه الأثيري في نسيج منتجاته الإبداعية، إذ إنك وأنت تشخُص بفضول عينيك المرتبكتين حينها في وجوه وملامح هذه القامات، تشعر كما لو أن الدرس قد بدأ قبل أن تأتي إلى هذا الفصل بسنوات طويلة، أو أنك قد جئت متأخرًا والدرس الذي تنتظر تلقيه في المحاضرة الأولى لست مؤهلاً لاستيعابه أو فك شفراته المعقدة والمركبة، وعليك أن تبحث عن فصل آخر تلتقي فيه بأقران يوازونك في العمر والتجربة والمزاج، وكنت حينها أتساءل: هل يمكن لمن يوازونني في العمر في هذا الفصل، وهم قلة، أن يستوعبوا معنى أن يكونوا طلبة دفعة واحدة مع هذه القامات الإبداعية الكبيرة والمعروفة في أوساط الساحة الثقافية والأدبية الخليجية والعربية؟ هل يدركوا معنى أن تكون هذه القامات أكثر حضورًا في مجالاتها وتأثيرًا ربما من بعض من يتولى تدريسهم من المحاضرين العرب؟ هل فهموا معنى هذا الحضور المزدوج في فصل يكتنز بقامات من شأنها أن تربك كل حرف ممكن أن نتهجاه في كل محاضرة من محاضرات النقد برؤاها النقدية الباحثة وخوضها في بحر مناهجها واتجاهاتها وإشكالاتها؟
هذه الأسئلة القلقة والمضطربة انتابتني بقوة وبشدة وأنا أمعن بناظري مليًا في وجه الأديب الكويتي العربي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل والكاتب الكويتي سليمان الخليفي اللذين شاطرانا الدرس النقدي لمدة أربع سنوات متواصلة، ولم تخف حدة هذه الأسئلة القلقة إلا بعد أن استوعبتنا الحياة بجوارهما، بوصفهما قريني الدفعة والأكاديمية الأخرى التي تلقينا منها أهم الدروس في الأدب والنقد، داخل الفصل وخارجه.
وأقولها بصراحة أكبر، كان تأثير المبدع إسماعيل فهد إسماعيل علينا طلبة في قسم النقد والأدب، أكثر بكثير من الكاتب الصديق سليمان الخليفي، ذلك أن (بوفهد) أكثر انسجامًا في مزاجه الاجتماعي وأكثر استجابة للحوار معنا في مختلف شؤون الأدب والمسرح والثقافة والحياة، بجانب تشجيعه الأبوي الحاني لنا على البحث والاكتشاف من خلال القراءة والكتابة معًا، من الصديق الخليفي الذي يبدو غالبًا في حالة انطواء وخاصة بعد رحيل صديقه المخرج صقر الرشود رحمة الله عليه.
وكان أول تشجيع منه لي شخصيًا، هو إهداؤه لي نسخة من روايته الأولى (كانت السماء زرقاء) بوصفها كتابة روائية مختلفة في تقنيتها السردية في حينها عن الروايات التي اطلعت عليها، وكانت هذه الرواية مفتاح الحوار الخلاق مع الصديق إسماعيل، وكانت الفتح الروائي العربي الجديد بالنسبة إلى مؤلفها وبالنسبة إلى الرواية العربية، وكم استوقفتني حينها التقطيعات السينمائية المونتاجية في هذه الرواية التي بقدر ما تدهشك لغتها، بالقدر نفسه وأكثر تسحرك الصور البديعة التي تطفر من بين ثنايا سطورها وحروفها، وهي الرواية التي استولت على ألباب شاعر يعد من أهم الشعراء العرب الحداثيين المؤسسين للقصيدة الحديثة، وهو الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور الذي قال عنه في تقديمه لهذه الرواية: «كانت الرواية مفاجأة كبيرة لي، فهذه الرواية جديدة كما أتصور، رواية القرن العشرين، قادمة من أقصى المشرق العربي، حيث لا تقاليد لفن الرواية، وحيث مازالت الحياة تحتفظ للشعر بأكبر مكان، ولم يكن سر دهشتي هو ذلك فحسب، بل لعل ذلك لم يدهشني إلا بعد أن أدهشتني الرواية ذاتها ببنائها الفني المعاصر المحكم، وبمقدار اللوعة والحب والعنف والقسوة والفكر المتغلغل كله في ثناياها».
ولا أخفي عليكم حينها فرحي الكبير بقراءتي لهذه الرواية، فهي بالنسبة إليّ فتحًا جديدًا في قراءة عالم المختلف في الكتابة، وهي التي جعلتني أكثر التصاقًا بمؤلفها الصديق المبدع إسماعيل، وكما لو أنني أحظى بأكاديمية أخرى لا تقل أهمية ومكانة عن أكاديمية النقد المسرحي والأدبي في المعهد، فبصحبته الحميمة تمكنت من الحضور في مجالس الأدب والفكر والثقافة في الكويت، ومن بينها مجلس الصديق محمد اشكناني الذي يضم نخبة فريدة من الكتاب والنقاد والمفكرين المبدعين الكويتيين والخليجيين والعرب التي يدور فيها حوار ثقافي خصب مع بعض ضيوف مجلسه المكلفين بطرح رؤاهم الجديدة فيه، وكان إسماعيل بلغته الفريدة ووعيه العميق غالبًا ما كان يدير دفة الحوار، ليحرض الخجول في ذواتنا على الإصغاء جيدًا لما يطرح والمشاركة فيه.
ولم يكن بيت الصديق إسماعيل فهد إسماعيل ببعيد عن هذا الدور، فما أكثر الجلسات الحميمة التي ضمتنا فيه، ولي كبير الشرف أن أكون واحدًا من القلة الذين فتح لهم إسماعيل أبواب بيته الثقافي العامر، لأكون واحدًا أيضا من أسرته الكريمة التي انفتحت لها أبواب بيت عائلتي في البحرين بعد التخرج من المعهد عام 79/‏80.
ونظرًا إلى تهيئة الصديق إسماعيل لي ولغيري أجواء اللقاء بالمبدعين العرب، وتشجيعه المحفز لي على الكتابة بعد أن اطلع على بعض المحاولات القصصية القصيرة التي كتبتها إبان دراستي بالمعهد، تمكنت من كتابة قصة قصيرة حملت عنوان (الرقم الزوجي)، وهي أول قصة مما كتبت تستوقف المبدع الصعب إسماعيل فهد إسماعيل، ولأفاجأ بعد أيام قليلة بنشرها في جريدة الوطن الكويتية بالملحق الثقافي، وكانت هذه القصة حكاية الفرح الأول بالنسبة إليّ على صعيد النشر في الصحافة، وحكاية الفرح الأول أيضا بالنسبة إليّ على صعيد النقد من قبل أساتذة ونقاد وأصدقاء لهذه التجربة.
بعد هذه التجربة توالت تجارب أخرى وجد بعضها موقعًا للنشر وبعضها لم يحالفه الحظ، وما أجمل روح الصديق إسماعيل الساخرة اللطيفة حين يشاكسني في بعض ما أكتب وفي بعض ما أتصوره في الكتابة، لأكتشف بعدها أنني لم أقرأ ما يكفي من المختلف في الكتابة الروائية والإبداعية، ولأجد نفسي منهمرًا بروحي الشغوفة للقراءة على كتب أخرى، ولعل من بينها إبداعات إسماعيل الروائية التي أهداني إياها في أثناء الدراسة بالمعهد، واستمر يهديني جديدها حتى قبل وفاته، أما شخصيًا في أثناء لقائي به في البحرين محاضرًا بأسرة الأدباء والكتاب، أو زائرًا لمهمة أدبية أو فنية أو عائلية، أو ضيفًا على برنامجي الثقافي التلفزيوني (المقهى الثقافي) الذي كان آخر لقاء ضمني به قبل وفاته رحمه الله، وكان لقاءً ثريًا متجليًا فيه إسماعيل برؤى فلسفية تثير شغف الحوار حولها، متفقًا معها أو مختلفًا، لِم لا وهو الداعي إلى الكتابة المختلفة؟
كانت إبداعات إسماعيل فهد موازية لدروس النقد، فكم قصة تم الحوار حولها في قاعة الدرس، من بينها «الطيور والأصدقاء» التي أيضًا شكلت منعطفًا جديدًا في كتابة القصة القصيرة العربية، فهو متمكن وبارع بقدر تمكنه وبراعته في كتابة الرواية أيضًا.
في هيئة إسماعيل روح مفكر ترتسم ملامحها في قسمات وجهه الحادة الدقيقة جوركية الشبه، وفي هدوئه المريب وقلقه الطافر من عينيه الخضراوين وعلى خطوط صفحة جبينه العريضة، وفي ابتسامته التي تعلن انحسارها في لحظات كما لو أنها لم تبدأ، وفي ضحكته السيجارية التي تفضح صمته الطويل، وفي مشيته الوئيدة التي يتقدمها رأسه الذي يبحث عن مشهد خارج دائرة المرئي، وفي حقيبته الجلدية الصغيرة التي تتأبط أقلامه وسجائره وقداحته، في هيئته روح مبدع ننتظرها كل صباح وكل لقاء؛ لأنها مكتنزة بالمختلف والجديد والمباغت، وواحدة من مكتنزات إسماعيل فهد إسماعيل المباغتة روايته (خطوة في الحلم) التي أصدرها عام 1980، فلهذه الرواية حكاية، وعنوانها أول مرة أراه في لوحة زيتية علقت على جدار مجلسه المنزلي، وهي للفنان التشكيلي البحريني عبدالله يوسف، وهو صديق أيضًا لإسماعيل فهد إسماعيل، وحكاية هذه الرواية هي اللوحة نفسها التي انتشلها إسماعيل حبًا وولعًا من مخازن وزارة الإعلام البحرينية آنذاك، لتصبح عالمًا يتشكل حلمًا ولونًا وخطوطًا وأفقًا في روايته التي أصدرها بوحي منها، ليثير شهية الكتاب والنقاد على قراءة جديدة في فن البصري بالمسرود روائيًا.
ولعل أغلب روايات إسماعيل فهد أخذت منحى تجريبيًا أثار قراءات وتأويلات عدة لها، الأمر الذي جعلها مستساغة سينمائيًا ومسرحيًا، ومن بينها الأقفاص واللغة المشتركة، وملف الحادثة 67 التي حوّلها المخرج المسرحي التونسي المنجي بن إبراهيم إلى عرض مسرحي حصد عليه جائزة أفضل عرض مسرحي بمهرجان قرطاج عام 88.
إن المؤلف المبدع الصديق إسماعيل فهد، في أغلب ما تصدى له إبداعيًا، لا يذهب إلى المنجز الجاهز والسائد والمتفق عليه تقريريًا أو سياسيًا أو خبريًا، إنه قناص اللحظة الصادمة، وموثقها برؤية تشاكس الوثيقة ذاتها، مثل روايته (الشياح) التي تحولت إلى فيلم سينمائي التي تتحدث عن حرب بيروت، والنيل يجري شمالاً - البدايات، والنيل يجري شمالاً - النواطير، والنيل الطعم والرائحة، ورواية إحداثيات زمن العزلة - رواية سباعية، قرأ فيها إسماعيل وبتفاصيل دقيقة الغزو العراقي على الكويت، إنه طرق أبواب الدول والممالك والعواصم والأحداث، وحاور الأسطورة على الأرض، وكان مؤثرًا في أغلبها إن لم يكن كلها، فمن جُبّته تخرجت أجيال أصبح لها شأنًا إبداعيًا مهمًا في الكويت وفي الخليج والوطن العربي، وأصبحت دراساته النقدية التي أصدرها في كتب، مثل (الفعل الدرامي ونقيضه) التي كان لنا حظ قراءتها في أثناء الدراسة عام 78، هي وكتاب (الكلمة - الفعل في مسرح سعد الله ونوس) بجانب مسرحيته (النص)، مراجع مهمة يلجأ إليها الباحثون في المسرح من الطلبة والأساتذة.
إنه بالقدر الذي يعد فيه أفضل من يتكلم عن الرواية حسب صديقه الذي التقيناه أيضًا في بيته، الروائي العراقي فؤاد التكرلي، فهو أيضًا واحد من أهم من كتب النص المسرحي، وقد تصدى الصديق الراحل دكتور عوني كرومي إخراج عرضه في البحرين، وكان من المفترض أن أكون «دراماتورجًا» لنص إسماعيل لولا بعض الظروف القهرية، فمع عوني كنت دراماتورجًا لثلاث مسرحيات، وللأسف حرمتني الظروف أن أكون دراماتورجًا لعرضه الرابع، بالرغم من رغبة إسماعيل الملحة على أن أتصدى له دراماتورجيًا.
كما كان إسماعيل مدافعًا شرسًا وعنيدًا عن حرية الرأي، ولعل كل ذلك الدفاع والعند تبدى في أغلب رواياته التي ترفض القيد والتكبيل، وتنشد الحرية وتستثير الذاكرة وتتبنى بالكتابة والدراسة الشخصيات والمواقف التي تتوسم هذه الحرية، وأحد المواقف التي جمعتني بإسماعيل فهد وكان لها علاقة بهذه الحرية، حين اعتزم طلاب المعهد عام 78 تأسيس اتحاد طلابي، وكانت إدارة المعهد ممثلة في عميدها الدكتور سعيد خطاب ترفض تأسيس مثل هذا الكيان بالمعهد، كان إسماعيل هو المتصدر لمواجهة الإدارة، الأمر الذي حفزني لأن أشاطره بقوة حينها موقفه، وما كان الرد من عميد المعهد سوى: «إذا كان إسماعيل فهد ويوسف الحمدان في هذا الاتحاد، فإني أرفع يدي». لروح إسماعيل الرحمة والسكينة والسلام، فقد كان أخًا وأبًا وصديقًا ومعلمًا وأفقًا، ونحتاج إلى زمن ليس بقصير حتى تنجب ساحتنا الأدبية والثقافية مثله وبقامته.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟

تصفح موقع الايام الجديد